من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم تكن كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مجرد خطابٍ سياسي عابر، بل كانت رسالة أردنية واضحة، خرجت من أعلى موقع في الدولة، لتقول للعالم إن الأردن يعرف ثوابته، ويدرك مصالحه، ولا يترك مستقبله للظروف.
وحين يتحدث الملك عن الأردن، فإن للكلمة وزناً يتجاوز معناها المباشر؛ فهي كلمة قائد يحمل مسؤولية وطن، ويضع أمام العالم أولويات دولته وشعبه بوضوح لا يحتمل التأويل.
يقول جلالته:
«أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».
عبارة قصيرة، لكنها تختصر الكثير. فالملك يضع الحدود والمياه في قلب الأمن الوطني الأردني، ويؤكد أن حماية الأردن لا تتجزأ، وأن ما يمس أمنه وموارده يمس مصالح شعبه مباشرة.
ثم تأتي العبارة الأكثر وضوحاً:
«سنحمي أمننا ومياهنا ومصالح شعبنا».
هنا لا يحتاج الخطاب إلى كثير من الشرح. إنها لغة دولة تعرف ما تريد، ورسالة قيادة تقول إن المصالح الأردنية ليست تفصيلاً يمكن تأجيله.
وفي جانب آخر، يلفت جلالة الملك إلى أن الدبلوماسية ليست ضعفاً، وأن الأردن يتمسك بالحوار والعمل السياسي، من دون أن يعني ذلك التراجع عن ثوابته أو التفريط بمصالحه.
وهذه واحدة من سمات الخطاب الأردني التي رسخها جلالته على مدى سنوات: هدوء في اللغة، ووضوح في الموقف.
لكن الملك لا ينظر إلى الأردن من زاوية التحديات وحدها؛ فهناك دائماً عين على المستقبل. ولذلك يؤكد أن الأردن يمضي في مسارين متوازيين: التعامل مع ما يفرضه الحاضر، والاستمرار في بناء المستقبل.
وهنا تظهر الرؤية الأوسع؛ فالأردن ليس بلداً ينتظر انتهاء الأزمات حتى يبدأ البناء، بل دولة تستمر في العمل، وتحاول أن تحمي حاضرها وهي تفتح الطريق أمام مستقبلها.
ولعل أكثر ما يستوقف في نهاية الخطاب قول جلالته:
«المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً».
كلمات تختصر فلسفة كاملة؛ فالدول لا تحمي مستقبلها بالفعل وحده، وإنما بالانتباه أيضاً لما لا يجوز تجاهله.
وفي النهاية، حمل جلالة الملك إلى منبر الأمم المتحدة صوت الأردن كما هو: هادئاً في لغته، صريحاً في موقفه، واضحاً في مصالحه، ومتمسكاً بمستقبله.
لم يكن المطلوب أن يكون الخطاب مرتفع النبرة حتى يكون قوياً؛ فقد جاءت قوته من وضوح الرسالة وثقل من يحملها.
ومن عمّان إلى العالم، كانت الرسالة ببساطة:
هذا الأردن؛ يعرف ما يريد، ويحمي ما يملك، ويمضي إلى المستقبل بثبات.