ليس كل خطابٍ يُلقى في قاعة الأمم المتحدة ينتهي بانتهاء الكلمات، ولا كل كلمةٍ تُقال أمام العالم تجد طريقها إلى ذاكرته. هناك خطابات تُسجَّل في محاضر الجلسات، ثم تمضي، وخطابات أخرى تترك وراءها سؤالًا لا يستطيع السامع أن يتجاهله. وفي افتتاح أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني مختلفًا في منطقه قبل لغته؛ إذ لم يكتفِ بوصف عالمٍ يزدحم بالأزمات، بل ذهب إلى ما هو أعمق: إلى الطريقة التي يتعامل بها العالم مع هذه الأزمات، وإلى المسؤولية التي تبدأ من لحظة أن نختار ما يستحق انتباهنا وما نسمح له أن يسقط من الذاكرة.
كانت الفكرة الأولى في الخطاب شديدة البساطة في ظاهرها، عميقة في معناها: نحن نعيش في عصرٍ لم تعد فيه المشكلة ندرة المعلومات، بل ندرة الانتباه. عالمٌ تصل فيه الأخبار أسرع من قدرتنا على استيعابها، وتتوالى فيه الأزمات حتى تكاد المأساة الجديدة تطغى على سابقتها قبل أن يأخذ العالم وقتًا كافيًا ليفهمها أو يتعامل معها. لكن جلالة الملك نقل هذه الفكرة من فضاء التكنولوجيا والحياة اليومية إلى فضاء السياسة الدولية، حيث يصبح الانتباه أكثر من قدرة ذهنية؛ يصبح موردًا سياسيًا، بل عنصرًا مؤثرًا في رسم أولويات العالم واتجاهاته ، تتحدد من خلاله الأولويات، وتُرسم به خرائط الاهتمام، وتُقرر على أساسه أيُّ أزمةٍ تستحق أن تبقى في مقدمة المشهد، وأيُّ مأساةٍ يمكن أن تتوارى خلف أزمةٍ أحدث منها.
فلم يكتفِ بأن يسأل العالم: ماذا ترون؟ بل مضى إلى السؤال الأعمق: ماذا تختارون أن تروا؟
فالتاريخ، كما يذكّرنا الخطاب، لا يتوقف لأن العالم انشغل عنه. النزاعات لا تتجمد لأن عدسات الكاميرات غادرت، والجوع لا ينتظر دورةً جديدة للأمم المتحدة، والاحتلال لا يفقد آثاره لأن العناوين الصحفية انتقلت إلى أزمةٍ أخرى. ما يحدث على الأرض يستمر، حتى عندما ينصرف انتباه العالم عنه. وربما كانت هذه واحدة من أكثر الأفكار قسوةً في الخطاب: أن بعض الكوارث لا تصبح أقل فداحة حين يقل الحديث عنها، وإنما تصبح أكثر خطورة؛ لأن اعتيادها يبدأ من اللحظة التي نتوقف فيها عن رؤيتها بوصفها استثناءً.
ومن هنا انتقل الخطاب إلى المنطقة، لا باعتبارها ملفًا إقليميًا منفصلًا عن العالم، وإنما باعتبارها مرآةً لمدى جدية النظام الدولي في تطبيق المبادئ التي أعلنها لنفسه. فالحروب التي تبدأ في منطقة لا تبقى بالضرورة داخل حدودها، والاضطراب الذي يُستهان به في مكان قد يصل أثره إلى الأسواق والطاقة والغذاء والتجارة وحياة الأسر في أماكن بعيدة. ولهذا لم يكن الحديث عن المنطقة حديثًا عن جغرافيا بعيدة، بل عن عالمٍ مترابط، يدفع فيه الجميع ثمن الأزمات التي يعتقد البعض أنها تخص الآخرين وحدهم.
غير أن فلسطين بقيت في قلب الرسالة، لا باعتبارها قضيةً أخرى بين قضايا العالم، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمعنى القانون الدولي ذاته. وقد كان لافتًا أن الخطاب لم يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها أزمةً طارئة ظهرت بالأمس، بل بوصفها نتيجة تراكمية لعقودٍ من التأجيل، حيث اختار المجتمع الدولي في أوقات كثيرة إدارة الصراع بدلًا من معالجة جذوره. وهذه ليست مجرد مفاضلة في المصطلحات؛ فإدارة الأزمة قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تصنع السلام، ووقف النزيف لا يعني أن الجرح قد شُفي.
لقد أعاد الخطاب وضع السؤال في مكانه الصحيح: ماذا يحدث عندما يصبح المؤقت دائمًا؟
عندما يصبح خرق القانون حادثةً عابرة، ثم يتكرر، ثم يصبح مشهدًا مألوفًا، فإن الخطر لا يعود في الانتهاك وحده، بل في اعتياده. وحين تتكرر الوقائع إلى درجة تفقد معها قدرتها على إحداث الصدمة، يصبح العالم أمام مرحلة أخطر من مجرد الأزمة؛ مرحلة يتحول فيها غير المقبول إلى أمرٍ معتاد، ويتحول الصمت من غيابٍ للكلام إلى غيابٍ للفعل.
وفي غزة، جاءت الرسالة أكثر وضوحًا وحسمًا. فالأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع وحدها أن تنقل حجم المأساة؛ لأن الرقم عندما يتكرر كثيرًا قد يفقد شيئًا من قدرته على الصدمة، بينما الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى رقم. خلف كل رقم طفلٌ كان ينبغي أن يكبر، وأسرةٌ كان ينبغي أن تبقى، وبيتٌ كان ينبغي أن يكون مأوى، ومستشفى كان ينبغي أن يكون مكانًا للحياة لا ساحةً للخطر. ولهذا كان توصيف ما يجري في غزة يتجاوز فكرة العمليات العسكرية المؤقتة إلى التحذير من واقعٍ يُفرض على الأرض ويهدد بإزالة الوجود الفلسطيني وإعادة تشكيل المكان بالقوة.
لكن الأشد خطورة أن غزة لا يمكن أن تُقرأ وحدها ،
فالضفة الغربية، كما وضعها الخطاب أمام المجتمع الدولي، ليست قصةً منفصلة تنتظر دورها في الأخبار. ما يجري هناك من استيطان وعنف وتهجير واستيلاء على الأراضي يطرح سؤالًا يتجاوز الحوادث المتفرقة إلى الاتجاه العام الذي تسير نحوه الأرض. وقد أكد الخطاب أن الكلمات التي تُستخدم لوصف الوقائع ليست تفصيلًا لغويًا؛ لأن اللغة قد تكشف الحقيقة، وقد تخفيها. فإذا سُمّي التهجير مجرد إجراء، والاستيلاء على الأرض مجرد تنظيم، والعنف مجرد فوضى، فإن الكلمات نفسها تصبح وسيلةً لتطبيع ما ينبغي أن يبقى مرفوضًا.
وهنا بلغت الرسالة واحدةً من أكثر لحظاتها قوة: لا يجوز أن تصبح اللغة أقل شجاعة من الحقيقة .
فالسياسة الدولية لا تُختبر فقط عندما تُتخذ القرارات الكبرى، وإنما تُختبر أيضًا في قدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى ألا تتحول المصطلحات الدبلوماسية إلى ستارٍ يحجب الواقع. والقانون الدولي لا يكتسب قيمته من وجوده في الوثائق، بل من قدرة العالم على الدفاع عنه عندما تكون كلفة تطبيقه عالية.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح السؤال الفلسطيني أكبر من فلسطين نفسها ، لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيحدث للفلسطينيين إذا استمر هذا المسار؟ بل: ماذا سيحدث لفكرة العدالة الدولية إذا أصبح القانون قابلًا للتطبيق في مكان، وقابلًا للتجاهل في مكان آخر؟ وماذا يبقى من الثقة بالنظام الدولي عندما يرى الناس أن بعض القواعد تُعامل بوصفها مبادئ، بينما تُعامل قواعد أخرى بوصفها وجهة نظر؟
لقد كان الخطاب في جوهره دفاعًا عن معنى الدولة التي يحكمها القانون، وعن عالمٍ لا تكون فيه القوة هي اللغة الأخيرة. ولهذا لم يكن الحديث عن فلسطين مجرد خطاب تضامن سياسي، بل كان دفاعًا عن فكرة أوسع: أن أمن العالم لا يمكن أن يقوم على انتقائية العدالة، وأن السلام لا يمكن أن يولد من واقعٍ يُفرض بالقوة ثم يُطلب من العالم أن يتعايش معه بوصفه حقيقةً جديدة.
ومن هنا أيضًا جاء الربط بين غزة والضفة الغربية. فالفصل بينهما قد يجعل الصورة أسهل على المتلقي، لكنه لا يجعل الواقع أكثر صدقًا. غزة والضفة ليستا ملفين منفصلين عندما يكون المستقبل السياسي للشعب الفلسطيني هو موضوع السؤال. تدمير مقومات الحياة في غزة، وتغيير الوقائع على الأرض في الضفة، يلتقيان عند نتيجة واحدة: تضييق المجال أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، متصلة الأرض، وقادرة على أن تكون دولةً فعلية لا مجرد اسمٍ في البيانات.
وهنا يتجاوز الخطاب اللحظة الراهنة إلى سؤال المستقبل ،
فالدول لا تُبنى بالوعود وحدها، ولا تقوم الدولة الفلسطينية بمجرد تكرار الإيمان بحل الدولتين في البيانات الدولية. الدولة تحتاج أرضًا، واتصالًا جغرافيًا، ومؤسسات، وموارد، وسيادة، وأفقًا سياسيًا حقيقيًا. وكلما تغيرت الحقائق على الأرض، أصبح الحديث عن الحل السياسي أكثر انفصالًا عن الواقع.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن يفشل العالم في صناعة السلام، بل أن يستيقظ يومًا ليجد أن الشروط التي تجعل السلام ممكنًا قد أزيلت من الأساس.
ذلك هو جوهر التحذير ،أن الوقت ليس محايدًا ، فالوقت عندما تُترك الوقائع تتغير على الأرض، يعمل لصالح من يغيّرها. وكل تأجيلٍ لا يصاحبه فعلٌ سياسي حقيقي ليس بالضرورة محافظةً على الوضع القائم؛ فقد يكون مساهمةً صامتة في صناعة وضعٍ جديد.
ومن هنا بدت نبرة الخطاب مختلفة عن خطابٍ يطلب من العالم أن يتعاطف فحسب. لقد وضع العالم أمام مسؤوليته. لم يقل إن المأساة تحتاج مزيدًا من المشاهدة، بل قال، في جوهر رسالته، إن المشاهدة التي لا تتحول إلى مسؤولية تصبح جزءًا من المشكلة.
وهذه الرسالة لا تخص الشرق الأوسط وحده ، إنها تخص كل نظامٍ دولي يريد أن يحافظ على معنى القانون، وكل مؤسسةٍ دولية تريد أن تبقي للقرارات وزنها، وكل دولةٍ تريد أن تقول إن الأمن والسلام يمكن أن يجتمعا في عالمٍ واحد. فالاختبار الحقيقي للقيم لا يكون عندما يكون الدفاع عنها سهلًا، وإنما عندما تصبح كلفته سياسية وثقيلة.
لذلك كان خطاب الأردن في الأمم المتحدة أكثر من عرضٍ للموقف الأردني؛ كان تذكيرًا بأن الأردن، وهو يتحدث من قلب هذه المنطقة، لا يتحدث عن مأساةٍ بعيدة، بل عن واقعٍ يعرف امتداداته، ويعرف أن ترك الأزمات تتراكم لا يجعلها تختفي، وإنما يجعل كلفتها أكبر وأوسع وأشد تعقيدًا.
وفي نهاية المطاف، يعود الخطاب إلى الفكرة التي بدأ منها: الانتباه ، لكن الانتباه هنا لم يعد مجرد تركيزٍ على شاشة، بل أصبح فعلًا أخلاقيًا وسياسيًا. أن ترى يعني أن تتحمل مسؤولية ما رأيت. وأن تعرف يعني أن يصبح السؤال: ماذا ستفعل بهذه المعرفة؟ وأن تملك القدرة على التأثير ثم تختار الصمت، ليس كأنك لم تكن حاضرًا.
فالأزمات لا تحتاج فقط إلى عيونٍ تراها، بل إلى إرادةٍ تمنع تحولها إلى اعتياد. والقانون لا يحتاج إلى مزيد من الخطب التي تمدحه، بل إلى مواقف تثبت أنه فوق القوة، لا تحتها. والسلام لا يحتاج إلى مزيد من الأمنيات، بل إلى شجاعةٍ سياسية تمنع الواقع من أن يصبح أقوى من الحل.
وفي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث حتى يكاد الإنسان يفقد القدرة على الاحتفاظ بمأساةٍ واحدة في ذاكرته، جاءت رسالة الأردن لتقول إن أخطر ما يمكن أن نفقده ليس الوقت، ولا المعلومات، ولا حتى القدرة على الكلام؛ بل القدرة على أن نبقى منتبهين لما يحدث للإنسان حين يعتاد العالم على ألمه.
فحين يصبح الألم مألوفًا، يبدأ الخطر الحقيقي.
وحين يصبح الاحتلال خبرًا قديمًا، يصبح الصمت سياسة.
وحين يصبح القانون انتقائيًا، تصبح العدالة نفسها موضع سؤال.
وحين ينصرف العالم عن قضيةٍ لأنه اعتاد وجودها، فإن التاريخ لا ينسى ذلك.
فالوقائع قد تُطمس، والصور قد تغيب، والعناوين قد تتغير، لكن ما يُترك دون حل لا يختفي ، بل يبقى ، ويتراكم ،
ثم يعود في يومٍ ما ليسأل العالم السؤال ذاته الذي حمله خطاب الأردن إلى قاعة الأمم المتحدة: