في زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات، وتتشابك فيه المصالح، وتُختبر فيه مواقف الدول، جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين لتؤكد أن للأردن موقفاً يعرفه القاصي والداني، وأن لهذا الوطن ثوابت لا تتبدل بتبدّل الظروف، ولا تخضع لحسابات اللحظة.
لقد تحدث جلالته بلغة الدولة الواثقة من نفسها، المدركة لحجم مسؤولياتها، والحريصة على أرضها وشعبها وسيادتها. وكان تأكيده على حماية التراب الأردني والحدود والمياه والأجواء، رسالة واضحة بأن سيادة الأردن ليست شعاراً يُرفع، وإنما حق تصونه الدولة وواجب يحمله أبناؤها.
وحين يتحدث الملك عن الأردن، فإنه يتحدث عن وطنٍ دفع أبناؤه ثمناً غالياً من أجل أمنه واستقراره، وعن دولةٍ لم تكن يوماً ساحة مستباحة لأطماع الآخرين، ولن تكون كذلك.
ولم يكن الموقف من سوريا الشقيقة منفصلاً عن الرؤية الأردنية للأمن الإقليمي؛ فقد أكد جلالته أهمية وحدة الأراضي السورية وأمنها واستقرارها، لأن أمن الجوار جزء من أمن المنطقة، ولأن الأردن ينظر إلى محيطه بعين المسؤولية، لا بعين التدخل أو الأطماع.
أما فلسطين، فكانت حاضرة في قلب الخطاب كما هي حاضرة في وجدان الأردن. وغزة التي أنهكتها الحرب والدمار لم تكن مجرد فقرة في خطاب سياسي، بل قضية إنسانية وسياسية وقانونية، تستوجب أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه ما يجري، وأن يتوقف التعامل مع معاناة الفلسطينيين وكأنها قدر لا نهاية له.
وقد كان واضحاً في خطاب جلالة الملك رفضه لاستمرار الانتهاكات التي تتعارض مع قواعد القانون الدولي، وتمسكه بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق المرجعيات الدولية.
إن ما قاله جلالة الملك لا يمثل موقفاً شخصياً، بل يعبر عن موقف دولة؛ دولة تعرف مصالحها، وتحمي حدودها، وتصون مواردها، وتدافع عن أمن شعبها، وفي الوقت ذاته لا تتخلى عن مسؤوليتها تجاه قضايا أمتها.
ومن هنا، فإننا نؤكد وقوفنا خلف هذه الثوابت والمواقف، ونرى في الخطاب الملكي رسالة طمأنينة للأردنيين ورسالة واضحة لكل من يهمه الأمر: الأردن لا يبحث عن المواجهة، لكنه لا يقبل أن يكون أمنه وسيادته ثمناً لأي حسابات.
فالسيادة لا تُستعار، والأرض لا تُساوَم، والمياه ليست تفصيلاً، وأمن الأردن ليس ورقة على طاولة المفاوضات.
وهذه هي الرسالة التي وصلت واضحة:
الأردن أولاً في أمنه وسيادته، وفلسطين في قلب موقفه، والقدس في وجدانه، والسلام العادل خياره، والقانون الدولي مرجعيته.
حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، وأدام على وطننا راية العز والكرامة، وحمى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وأبقى الأردن شامخاً عزيزاً، عصياً على كل من أراد به سوءاً.