أنا د. أسماء لاشين؛ لفت انتباهي "مهرجان الحسين الأول للشعر النبطي" في لواء الموقر، وأبهرني لأنه يعبر بصدق وجلاء عن أصالة الشعب الأردني العظيم، ويجسد عمق موروثه الثقافي والوجداني الذي ينبض بالقيم العربية الأصيلة من كرم ونخوة وانتماء صادق للتراب والقيادة.
أولاً: الموقر.. عندما تتحدث الجغرافيا بعز الكلمة
لم يكن اختيار لواء الموقر ليكون حاضناً لهذه التظاهرة الأدبية مجرد خيار جغرافي عابر، بل هو استحضار واعٍ للتاريخ؛ فالموقر الشامخة بأهلها وعشائرها الضاربة في عمق التاريخ الأردني، تفتح ذراعيها لتكون منبراً للكلمة الموزونة والقصيدة البدوية التي تحاكي أصالة البادية الأردنية وتاريخها المجيد.
ثانياً: أهداف المهرجان ورسالته الثقافية
جاء المهرجان ليؤكد على جملة من الرسائل الثقافية والوطنية السامية، من أبرزها:
صون التراث الشفاهي: حماية الشعر النبطي باعتباره وثيقة تاريخية واجتماعية تحفظ السردية الوطنية الأردنية وتجلي ملامح الهوية البدوية.
مد جسور التواصل العربي: لم يقتصر المهرجان على إبراز القامات الشعرية المحلية، بل شكّل ملتقى أردنياً عربياً يجمع شعراء من مختلف أرجاء الوطن العربي لتلاقح الأفكار وتبادل القوافي.
تعزيز الانتماء الوطني: الاستعادة المستمرة للمعاني الوطنية السامية والوفاء للقيادة الهاشمية ومسيرتها المعطاءة عبر قصائد تفوح بعبق الوطن.
ثالثاً: أبعاد الانبهار.. دلالات ورمزية المهرجان
إن الانبهار بهذه التظاهرة الثقافية لا ينبع من مجرد تنظيم فعاليات شعرية، بل من الحمولة الرمزية والدلالات الثقافية والاجتماعية التي حملها مهرجان الحسين الأول للشعر النبطي:
رمزية الاسم والوفاء (الحسين):
يحمل اسم المهرجان رمزية تاريخية ووجدانية عميقة لدى الشعب الأردني؛ فهو استحضار للإرث الهاشمي العريق وتأكيد على امتداد مسيرة النهضة، مما منح المهرجان بعداً وطنياً يتجاوز حدود الحدث الأدبي إلى رحاب الوفاء والاعتزاز بالهوية الجامعة.
دلالة المكان (لواء الموقر):
تجلت رمزية اختيار الموقر في إعادة الاعتبار للبادية بوصفها صانعة للثقافة ووارثة للحكمة، وليست فقط مساحة جغرافية. إن إقامة المهرجان في الموقر تجسد فكرة "المركزية الثقافية للمحيط المحلي"، حيث تخرج الفعاليات الكبرى من الصالونات المغلقة إلى بيئتها الطبيعية الأصيلة.
تجسيد الأصالة والهوية الوطنية:
تجلى الانبهار في قدرة الشعر النبطي على الحفاظ على مفرداته النابعة من الصدق والأصالة، ليكون بمثابة جدار حماية للهوية الوطنية في مواجهة العولمة والتغريب. فالقصيدة النبطية هنا ليست مجرد أبيات موزونة، بل هي سجادة نسيج تجمع بين البلاغة الشفاهية والقيم العشائرية الأصيلة كالنخوة والكرم وإغاثة الملهوف.
الرمزية الاجتماعية وتلاحم الأجيال:
شكل المهرجان مشهداً راقياً في نقل المشعل بين الأجيال؛ حيث التقى شيوخ الشعر وكباره بالشعراء الشباب في مجلس واحد. هذه الصورة تحمل دلالة اجتماعية بالغة الأهمية على استدامة الموروث الثقافي وسريانه في وجدان الشباب الأردني الشغوف بتاريخه.
دلالة الانفتاح العربي من قلب البادية:
مشاركة شعراء وقامات من مختلف الدول العربية أضفت على المهرجان دلالة قومية؛ تؤكد أن البادية الأردنية كانت وما زالت ساحة تلاقٍ عربي ومربطاً للكلمة الطيبة التي تجمع ولا تفرق.
رابعاً: مشاهدات من روح الحدث
إن ما يُلفت النظر في هذا المحفل ليس فقط الجزالة في القصائد المطروحة، بل ذلك الحضور الجماهيري والشعبي اللافت؛ حيث التقت القامات الفكرية والأدبية بالشعراء الشباب والمجتمع المحلي في مشهد كلي يعكس تلاحم أبناء البادية وتعلقهم بأدبهم الأصيل، في أجواء تسودها الضيافة الأردنية والمشاعر الوطنية الجياشة.
ختاماً.. رسالة تقدير
إن مهرجان الحسين الأول للشعر النبطي ليس مجرد حدث عابر، بل هو خطوة تأسيسية مباركة نحو جعل لواء الموقر وجهة ثنائية للثقافة والأدب الشعبي. كل التقدير للقائمين على هذا المنبر الثقافي وللجانه التنظيمية والإعلامية والشعراء المشاركين الذين أثروا الساحة الوطنية بجميل قوافيهم.