في خطابات القادة، هناك كلمات تمرّ على مسامعنا، وهناك كلمات تجعلنا نتوقف عندها؛ لأنها لا تتحدث عن لحظة سياسية عابرة، وإنما عن أمن وطن ومستقبل شعب.
وهذا ما شعرت به وأنا أتابع خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لم يكن الخطاب مجرد حديث عن أزمات المنطقة، ولا مجرد تكرار لمواقف يعرفها العالم عن الأردن، بل كان خطابًا يحمل رسائل واضحة لمن يهمه الأمر، وفي مقدمتها أن الأردن يتابع ما يجري حوله بدقة، وأن أمنه وحدوده ومياهه ومصالح شعبه ليست مواضيع قابلة للتجاهل.
ولعل أخطر ما جاء في الخطاب كان التحذير الواضح من النهج الإسرائيلي في المنطقة.
فجلالة الملك لم يتحدث عن الأمر باعتباره خلافًا محصورًا في فلسطين، بل قال إن الطموحات التوسعية للحكومة الإسرائيلية أصبحت تهديدًا إقليميًا، ووضع ما يجري في سوريا أمام المجتمع الدولي باعتباره إنذارًا لا يجوز تجاهله.
وتحدث جلالته عن التوغلات الإسرائيلية المتكررة في سوريا، وعن التوسع الجغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يمس مصادر مائية حيوية، ثم قال إن إسرائيل، خطوة بعد أخرى، تختبر إلى أي مدى يمكنها أن تتمادى، وإن غضّ المجتمع الدولي الطرف عن ذلك يشجعها على تجاوز الحدود والقوانين.
هنا تحديدًا، أعتقد أن الرسالة الأردنية كانت في غاية الوضوح.
لا تجعلوا صمت المجتمع الدولي خطأً يُحسب على الأردن.
فالأردن دولة تدعو إلى السلام، وتؤمن بالدبلوماسية، لكنها ليست دولة غافلة عما يجري حول حدودها.
ولهذا جاءت العبارة الملكية التي تختصر الموقف الأردني كله:
«أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي.»
ثم جاءت الجملة الأكثر وضوحًا:
«لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا.
بالنسبة لي، هذه ليست مجرد كلمات في خطاب دولي.
إنها رسالة دولة.
ورسالة الدولة هنا تقول إن الدبلوماسية الأردنية ليست ترددًا، وإن الهدوء ليس ضعفًا، وإن اختيار السلام لا يعني أن الأردن سيسمح لأحد بأن يختبر حدود صبره أو يقترب من أمنه الوطني.
وهنا أتذكر موقف جلالة الملك الذي أكدّه سابقًا أمام العالم بوضوح لا يحتمل التأويل تجاه أي محاولة لفرض التهجير أو تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين.
لقد قال جلالته عام 2024، ردًا على من يروجون لفكرة الأردن كوطن بديل: «هذا لن يحدث أبدا»، مؤكدًا أن الأردن لن يقبل بالتهجير القسري للفلسطينيين.
وهذه ليست جملة تُقال في مناسبة وتنتهي بانتهائها.
إنها من الثوابت التي بقي الموقف الأردني واضحًا بشأنها.
الأردن ليس وطنًا بديلًا، ولن يكون وطنًا بديلًا.
هذه الحقيقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، ولا تحتاج إلى إعادة صياغة كل مرة؛ لأنها مرتبطة بأمن الدولة وهويتها وسيادتها ومستقبلها.
أما فلسطين، فكانت حاضرة في خطاب جلالة الملك كما كانت دائمًا في الموقف الأردني، لكن الرسالة هذه المرة تجاوزت مجرد وصف المأساة؛ فقد تحدث جلالته عن محاولة فرض واقع جديد في غزة، وعن التوسع والاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، وعن ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته. كما أكد استمرار دعم الأردن للشعب الفلسطيني وللأونروا، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
فالأردن يعيش في منطقة لا تمنح الدول رفاهية الانعزال عن محيطها، لكن الأردن في الوقت نفسه لا يقبل أن يصبح موقعه الجغرافي سببًا لأن يدفع ثمن أزمات الآخرين.
ولهذا جاء حديث جلالة الملك عن تطوير قدرات الأردن الدفاعية، ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، بالتوازي مع بناء الاقتصاد وتعزيز التجارة والصناعة والتكنولوجيا.
وفي نهاية الخطاب، بقيت في ذهني صورة واحدة: دولة صغيرة بمساحتها، لكنها تعرف قيمة سيادتها، وتعرف أن أمن حدودها ومياهها ومستقبل أبنائها ليس شأنًا ثانويًا يمكن تأجيله.
لقد تحدث جلالة الملك أمام العالم، وكانت الرسالة واضحة لمن يريد أن يسمع:
الأردن مع السلام، لكن أمنه ليس للمساومة.
الأردن مع الحوار، لكن سيادته ليست محل نقاش.
والأردن لن يكون وطنًا بديلًا.
وفي زمنٍ تتغير فيه موازين المنطقة، وتُختبر فيه قدرة الدول على حماية مصالحها، يبقى الأردن ثابتًا في موقفه، واضحًا في ثوابته، ومتمسكًا بأمنه واستقراره.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وحفظ ولي عهده الأمين، وحفظ قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وحمى وطننا من كل سوء، وأدام على أردننا الغالي نعمة الأمن والاستقرار.