لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد عرضٍ لمواقف سياسية أردنية أمام المجتمع الدولي، بقدر ما شكّل في مضمونه إعادة تثبيت واضحة للثوابت الاستراتيجية للدولة الأردنية، وتحديدًا دقيقًا لأولوياتها في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحروب والأزمات، وتتسع فيها دوائر عدم الاستقرار، وتتراجع معها قدرة النظام الدولي على فرض احترام القانون وحماية الحقوق.
لقد تحدث الأردن من أعلى منبر دولي بلغة الدولة التي تعرف موقعها، وتدرك حجم التحديات المحيطة بها، وتوازن بين مسؤولياتها القومية وضرورات أمنها الوطني، دون أن تسمح لضغوط الإقليم أو تحولات السياسة الدولية بأن تمس ثوابتها أو تعيد صياغة أولوياتها.
وفي قلب هذه الثوابت جاءت فلسطين.
فالقضية الفلسطينية في الرؤية الأردنية ليست ملفًا سياسيًا عابرًا تحكمه ظروف المرحلة، وليست موقفًا مرتبطًا بتبدلات الحكومات أو موازين القوى؛ بل هي قضية ترتبط بالأمن والاستقرار الإقليميين، وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وبمبدأ أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إدارة الصراع أو احتوائه، وإنما على معالجة جذوره السياسية والتاريخية وفق القانون الدولي والحقوق المشروعة.
ومن هنا، أعاد الخطاب التأكيد على أن حل الدولتين ليس مجرد صيغة تفاوضية، وإنما مسار سياسي واستراتيجي نحو سلام عادل ودائم؛ لأن استمرار غياب الأفق السياسي يعني إبقاء المنطقة مفتوحة على دورات متلاحقة من الصراع والعنف وعدم الاستقرار.
وفي امتداد فلسطين، حضرت القدس بوصفها أحد أكثر ملفات الصراع حساسية وخطورة، وباعتبارها بالنسبة للأردن قضية ذات أبعاد دينية وتاريخية وسياسية واستراتيجية متداخلة.
فالقدس في الحسابات الأردنية ليست مجرد قضية مرتبطة بالتسوية النهائية، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وبمسؤولية تاريخية متجذرة في حماية هذه المقدسات والمحافظة على هويتها وعلى الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.
وهنا تكتسب الوصاية الهاشمية بعدًا يتجاوز الرمزية الدينية؛ فهي تمثل مسؤولية تاريخية وسياسية وقانونية، وتشكل عنصرًا رئيسيًا من عناصر الموقف الأردني تجاه القدس، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي يمكن أن تترتب على أي تغيير في واقع المدينة أو هويتها أو مقدساتها.
ومن زاوية القراءة الاستراتيجية، فإن الرسالة الأعمق في الخطاب تتمثل في أن الأمن الإقليمي لا يمكن فصله عن القضية الفلسطينية.
فاستمرار الصراع، واتساع دوائر المواجهة، وغياب الحل السياسي، ليست قضايا محصورة داخل الجغرافيا الفلسطينية؛ بل عوامل عدم استقرار قادرة على تجاوز الحدود وإعادة تشكيل البيئة الأمنية للمنطقة بأكملها.
وهنا تظهر أهمية الموقف الأردني الذي يدعو المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها؛ لأن إدارة الصراع دون حل أسبابه قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تمنعه، وقد تحتوي تداعياته مؤقتًا، لكنها لا تؤسس لأمن دائم.
البعد الاستراتيجي للأمن الوطني الأردني
وعند الانتقال من البعد الإقليمي إلى الداخل الأردني، تظهر معادلة واضحة في الخطاب: الأردن يقف إلى جانب قضايا أمته، وفي مقدمتها فلسطين والقدس، لكنه في الوقت ذاته يضع أمن الدولة واستقرارها وسيادتها ومصالح شعبها في صدارة القرار الوطني.
وهذه ليست معادلة متناقضة؛ بل هي جوهر التفكير الاستراتيجي للدولة.
فحماية الحدود، وصون الأمن الوطني، والحفاظ على الموارد والمقدرات، وفي مقدمتها الأمن المائي، وحماية الاستقرار الداخلي، كلها عناصر مترابطة ضمن مفهوم شامل للأمن الوطني الأردني.
وفي بيئة إقليمية أصبحت فيها التهديدات أكثر تعقيدًا، لم تعد المخاطر العسكرية والأمنية محصورة في مفهوم الحرب التقليدية أو في عبور الجيوش للحدود؛ فهناك تهديدات عابرة للحدود، وحروب غير تقليدية، ومحاولات لزعزعة المجتمعات من الداخل، ومخاطر مرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ والتهريب والجريمة المنظمة والحرب السيبرانية والمعلوماتية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والمائية والديموغرافية التي قد تتحول، في ظروف معينة، إلى تحديات للأمن الوطني.
ومن هنا، فإن قراءة الخطاب من منظور عسكري واستراتيجي تقود إلى حقيقة أساسية: الأردن يتعامل مع أمنه بمنطق الردع والجاهزية والاستباق، وليس بمنطق انتظار الخطر حتى يصل إلى حدوده.
الجيش العربي والأجهزة الأمنية… قوة الدولة وحصنها
وفي حماية هذه المعادلة الوطنية، تقف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية في قلب منظومة الأمن الوطني.
فالدور الذي تقوم به هذه المؤسسات يتجاوز المفهوم التقليدي لحماية الحدود إلى منظومة متكاملة تشمل حماية سيادة الدولة، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، ومكافحة التهريب والتسلل، والمحافظة على الأمن والاستقرار الداخلي، ورفع مستويات الجاهزية في مواجهة بيئة إقليمية متغيرة وسريعة التحول.
وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الاستراتيجية للأردن؛ إذ إنه، رغم وقوعه في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، حافظ على تماسك مؤسساته، وعلى أمنه واستقراره، وعلى قدرة قواته المسلحة وأجهزته الأمنية على التعامل مع التهديدات وفق عقيدة تقوم على الاحتراف والجاهزية واليقظة وحماية القرار الوطني والسيادة الأردنية.
إن قوة الدولة في مثل هذه المراحل لا تُقاس فقط بحجم إمكاناتها العسكرية، وإنما بقدرتها على توظيف عناصر قوتها السياسية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية والاقتصادية ضمن رؤية وطنية واحدة. وهذه هي المعادلة التي يسعى الأردن إلى تثبيتها: دبلوماسية تتحرك بثبات، وقوات مسلحة تحمي الحدود والسيادة، وأجهزة أمنية تحرس الاستقرار، وجبهة داخلية تدرك أن أمن الوطن مسؤولية وطنية جامعة.
الأردن بين ثبات الموقف وتحولات الإقليم
تكمن أهمية الخطاب كذلك في توقيته.
فالمنطقة تمر بمرحلة يعاد فيها تشكيل الكثير من التوازنات، فيما تتداخل ساحات الصراع وتتعاظم احتمالات انتقال تداعيات الأزمات من دولة إلى أخرى. وفي مثل هذه البيئة، تصبح قدرة الدول على تحديد ثوابتها وحماية مصالحها وعدم الانجرار خلف التحولات المتسارعة عنصرًا أساسيًا في بقائها واستقرارها.
ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره رسالة ذات اتجاهين:
رسالة إلى الخارج بأن الأردن لن يتراجع عن موقفه تجاه فلسطين والقدس، ولن يقبل أن يتحول غياب الحل السياسي إلى واقع دائم، وسيواصل الدفاع عن حل عادل يحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويقود إلى قيام دولته المستقلة.
ورسالة تتصل بالأمن الوطني الأردني مفادها أن المملكة، وهي تقوم بدورها السياسي والقومي، لن تسمح بأن يكون أمنها أو استقرارها أو حدودها أو مقدراتها أو مصالح شعبها موضع مساومة، وأن حماية الدولة الأردنية تظل في أعلى سلم الأولويات.
الخلاصة
يمكن اختصار القراءة السياسية والاستراتيجية للخطاب بمعادلة أردنية واضحة:
فلسطين قضية حق، والقدس أمانة ومسؤولية، وأمن الأردن وسيادته خط ثابت، والجيش العربي والأجهزة الأمنية سياج الوطن وحصنه، والسلام العادل خيار استراتيجي، لكنه سلام يقوم على الحقوق والقانون والعدالة، لا على فرض الأمر الواقع.
لقد أعاد الخطاب تثبيت صورة الأردن بوصفه دولة تعرف موقعها في الإقليم، وتدرك مسؤولياتها تجاه قضايا أمتها، وفي الوقت نفسه تحسب بدقة مقتضيات أمنها الوطني ومصالحها العليا.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه المصالح وتتسارع فيه الأزمات، تبقى قوة الأردن في ثبات بوصلته السياسية، وصلابة مؤسساته، وتماسك جبهته الداخلية، واقتدار جيشه العربي وأجهزته الأمنية، ووضوح قيادته في قراءة المخاطر قبل أن تتحول إلى تهديدات.
وتبقى فلسطين والقدس في قلب الموقف الأردني، لا باعتبارهما عنوانًا سياسيًا مرحليًا، وإنما باعتبارهما جزءًا من رؤية أردنية ترى أن أمن الأردن، وحقوق الشعب الفلسطيني، واستقرار المنطقة، والسلام العادل والدائم، حلقات مترابطة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى.
حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، وحفظ قيادته الهاشمية، وحفظ قواتنا المسلحة الأردنية – الجيش العربي وأجهزتنا الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، ليبقى الأردن كما كان دائمًا ثابت الموقف، قوي الإرادة، عزيز السيادة، حاضرًا حيث تكون قضايا الحق والعدل والسلام.