كشفت دراسة حديثة عن آلية جديدة تساعد كريات الدم الحمراء على التكيف سريعًا مع انخفاض مستويات الأكسجين، سواء أثناء ممارسة التمارين الشاقة أو عند الصعود إلى المرتفعات، وذلك من خلال إعادة تنظيم البروتينات الموجودة داخلها بدلًا من إنتاج بروتينات جديدة.
وبحسب بحث نُشر في دورية «بلود»، رسم الباحثون خريطة واسعة للبروتينات الموجودة داخل كريات الدم الحمراء، وتابعوا التغيرات التي تطرأ على تفاعلاتها عند انخفاض مستويات الأكسجين.
وتتميز كريات الدم الحمراء الناضجة بغياب النواة، ما يجعلها غير قادرة على تشغيل جينات جديدة أو تصنيع بروتينات بالطريقة التي تعتمد عليها معظم خلايا الجسم للتكيف مع الظروف المتغيرة. ومع ذلك، تستطيع هذه الخلايا إجراء تعديلات سريعة على نشاطها الأيضي من خلال إعادة ترتيب البروتينات الموجودة لديها.
وحلل الباحثون كريات دم حمراء بشرية عالية النقاء، وتمكنوا من رصد 3775 بروتينًا، في واحدة من أكثر الخرائط تفصيلًا لبروتينات هذه الخلايا حتى الآن.
وتركزت النتائج حول بروتين غشائي يعرف باسم «الشريط 3»، يعمل بمثابة منصة ترتبط بها مجموعة من البروتينات والإنزيمات. ففي الظروف الطبيعية، يرتبط بهذه المنصة إنزيم يعرف باسم «مختزلة البيلفيردين ب»، ويسهم في تنظيم عدد من التفاعلات الكيميائية داخل الخلية.
لكن عند انخفاض مستويات الأكسجين، ينفصل هذا الإنزيم عن البروتين الغشائي، في حين يزداد ارتباط الهيموغلوبين غير المحمل بالأكسجين بالمنصة نفسها.
ويؤدي هذا التغير القابل للعكس دورًا أشبه بمفتاح حساس للأكسجين، إذ يغير طريقة تعامل كرية الدم الحمراء مع الغلوكوز، ويحفز عملية تحلله لإنتاج الطاقة ومركبات تساعد على تنظيم وظيفة الهيموغلوبين.
ومن أبرز نتائج هذه العملية زيادة إنتاج مركب «2,3 ثنائي فوسفوغليسيرات»، الذي يرتبط بالهيموغلوبين ويقلل من قوة تمسكه بالأكسجين، ما يسهل تحرير الأكسجين ووصوله إلى الأنسجة التي تحتاج إليه.
ولا يعني ذلك أن كرية الدم الحمراء تصبح قادرة على حمل كمية أكبر من الأكسجين، وإنما تصبح أكثر قدرة على تحرير الأكسجين وتسليمه للأنسجة عندما تنخفض حاجتها إليه.
ودعمت التجارب هذه النتائج من خلال دراسة فئران معدلة وراثيًا تفتقر إلى أجزاء من بروتين «الشريط 3». وأظهرت النتائج تراجع قدرتها على تنشيط تحلل الغلوكوز وإنتاج المركب الذي يساعد على تحرير الأكسجين، إلى جانب انخفاض قدرتها على تحمل التمارين.
وتقدم الدراسة تفسيرًا لكيفية تمكن خلية تفتقر إلى النواة من الاستجابة السريعة لنقص الأكسجين، وذلك من خلال إعادة تنظيم البروتينات الموجودة فيها بدلًا من تصنيع بروتينات جديدة.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلًا في فهم استجابة الجسم لنقص الأكسجين في حالات مثل التواجد في المرتفعات وممارسة التمارين، إضافة إلى بعض أمراض القلب والرئة. إلا أن الدراسة لا تقدم علاجًا جاهزًا، ولا تثبت بعد إمكانية استخدام هذه الآلية طبيًا لدى البشر، ما يجعل الأمر بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل الانتقال إلى التطبيقات السريرية.