صوت الحكمة الملك عبدالله الثاني يسطر من منبر الأمم المتحدة ملحمة الثبات والكرامة.
حين يقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على منبر الأمم المتحدة، فإنه لا يمثل دولة فحسب، بل يُمثل ضمير أمة، وصوتاً للحق الذي لا يحيط به اللبس، ورمحاً زكيّاً في وجه كل محاولات طمس الحقيقة وتزييف الواقع. ففي كلمته التاريخية التي ألقاها اليوم أمام قادة العالم في الولايات المتحدة الأمريكية، جاء جلالته ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية، بلا مجاملات، وبلا تراجع عن ثوابت الأردن الراسخة كرسوخ الجبال.
لقد أثبت القائد الهاشمي الشجاع، وكعادته دائماً، أنه الملك الذي لا يخشى في حق الحق لومة لائم. فعندما تحدث إلى العالم، كان يُسمع قادته
أن التقاعس الدولي عن نصرة المظلومين ومواجهة الصلف وتعرية الأوهام ليس عجزاً، بل هو "خيار" مدان يتحمل المجتمع الدولي وزره.
لقد حطم الملك بسيف الحق أوهام المماطلة والتسويف، مكاشفاً العالم بأن محاولات محو الهوية الفلسطينية وتفريغ الأرض من محتواها عبر سياسات الاستيطان الممنهجة لم تعد خافية على أحد، وأن محاولة تصوير الصراع على أنه نزاع ديني إنما هو تضليل يراد به باطل، فالحقيقة الأطهر والأجلّ هي أنه صراع حول حقوق إنسان مسلوبة، وحق شعب كامل في الحياة والحرية والكرامة.
ولم تكن رسائل الأردن يومئذٍ محصورة في أفق القضية الفلسطينية الجرح النازف فحسب، بل كانت رسائل أمن قومي وطني واضحة كوضوح الشمس. لقد أطلقها جلالة سيدنا مدوية: "أما بالنسبة للأردن، فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا... أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي، ولن يقف الأردن بنظره".
بهذه الرسائل الواضحة، رسم الملك خطوطاً حمراء تحيط بالتراب الأردني والسيادة الوطنية وبمقدرات هذا الشعب الأبي، مؤكداً لكل متربص أو عابث أن الأردن، بجيشه المصطفوي الأردن الأشرس والأمنع، سيبقى حارساً لسيادته ومياهه ومصالحه، لا تلين ولا تنكسر،بإذن الله.
إن شجاعة الملك عبدالله الثاني اليوم في نيويورك تُمثل نبراساً وعبرةً لكل العالم؛ ففي زمن تتقلب فيه الأهواء وتتغير فيه المواقف تبعاً للمصالح الضيقة، يبقى الملك الهاشمي صخرة تتكسر عليها كل محاولات الابتزاز، وصوتاً صارخاً ينادي بالسلام العادل والشامل الذي لا يتم إلا بنيل الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة وقيام دولته المستقلة.
كما واصل جلالته حمل الأمانة التاريخية والدينية، مدافعاً عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحامياً لإرث المحبة والاعتدال وصورة الإسلام الحقيقي في وجه أصوات الكراهية والتطرف.