الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة: العالم يعيش لحظة استثنائية.. والتوسع الإسرائيلي أصبح تهديدًا إقليميًا
في لحظة دولية دقيقة تتشابك فيها الأزمات السياسية والإنسانية والأمنية، ألقى جلالة الملك عبدالله الثاني خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، واضعًا المجتمع الدولي أمام جملة من الحقائق والتحديات التي تواجه العالم والمنطقة، ومؤكدًا ضرورة عدم السماح للأزمات المتلاحقة بأن تتحول إلى واقع دائم تتعايش معه الشعوب والمجتمعات.
وجاء خطاب جلالة الملك في مستهل أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة، التي بدأت في 22 أيلول 2026، تحت عنوان "استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تقدم للجميع".
وقال جلالته إن العالم "يعيش لحظة استثنائية في التاريخ"، في ظل حجم غير مسبوق من المعرفة والتطور المتسارع، مؤكدًا أن هذا التطور يترافق في الوقت ذاته مع أزمات متلاحقة ومآسٍ وحالات طوارئ تتطلب انتباه المجتمع الدولي.
وأضاف جلالة الملك أن كل يوم يحمل معه أزمة جديدة ومأساة جديدة وحالة طوارئ جديدة تستدعي الانتباه، مشيرًا إلى أن الانتباه أصبح موردًا نادرًا، وأن اختيار القضايا التي يمنحها العالم اهتمامه بات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ومن هنا، فإن الرسالة الملكية لم تكن مجرد توصيف للمشهد الدولي، وإنما دعوة واضحة إلى عدم السماح بتراكم الأزمات أو التعامل معها باعتبارها أحداثًا عابرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأمن والاستقرار وحقوق الشعوب واحترام سيادة الدول.
تحذير ملكي من التوسع الإسرائيلي
وفي محور رئيسي من خطابه، حذر جلالة الملك من أن الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية أصبحت تشكل تهديدًا إقليميًا، معتبرًا أن التطورات الجارية في سوريا تستحق اهتمامًا دوليًا جادًا، وعدم التعامل معها باعتبارها شأنًا ثانويًا في ظل كثرة الأزمات العالمية.
وقال جلالته إن سوريا تمثل اليوم "إنذارًا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباهًا"، في إشارة إلى خطورة استمرار فرض وقائع جديدة على الأرض دون موقف دولي قادر على وقف التصعيد ومنع اتساع دائرة التوتر.
وأشار جلالة الملك إلى وجود توغلات متكررة وتوسع جغرافي وفرض حقائق جديدة على الأرض في سوريا، مبينًا أن بعض هذه التطورات تمس مصادر مائية حيوية، وهو ما يحمل أهمية خاصة بالنسبة للأردن وأمنه الوطني ومصالحه الحيوية.
"خطوة محسوبة تلو الأخرى"
وأوضح جلالة الملك أن إسرائيل، "بخطوة محسوبة تلو الأخرى"، تختبر إلى أي مدى يمكنها الاستمرار، مضيفًا أنه في كل مرة يشيح فيها المجتمع الدولي بنظره، تستنتج إسرائيل أن بإمكانها التمادي أكثر وتجاوز الحدود الجغرافية والقوانين.
وهنا تبرز أهمية الرسالة التي حملها الخطاب الملكي، والمتمثلة في أن غياب الموقف الدولي الفاعل لا يؤدي إلى إنهاء الأزمات، بل قد يشجع على استمرار فرض الوقائع الجديدة، ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، ويهدد بتوسيع دائرة عدم الاستقرار.
الأردن في مواجهة التحديات الإقليمية
ويأتي الموقف الملكي في إطار الدور الأردني المستمر في الدعوة إلى حماية أمن المنطقة واستقرارها، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، والعمل على معالجة جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
ويؤكد الخطاب مجددًا أن الأردن ينظر إلى التطورات المحيطة به من زاوية أمنه الوطني واستقراره، خصوصًا ما يتصل بالحدود والمياه وأمن المنطقة، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها سوريا والمنطقة عمومًا.
كما يعكس الخطاب حرص جلالة الملك على وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، وعدم ترك شعوب المنطقة تواجه تداعيات الأزمات المتلاحقة وحدها.
رسالة إلى المجتمع الدولي
ومن خلال هذا الخطاب، وجّه جلالة الملك رسالة واضحة مفادها أن العالم أمام اختبار حقيقي في قدرته على التعامل مع الأزمات وفق قواعد القانون الدولي، وأن تجاهل المخاطر المتصاعدة لا يلغي وجودها، بل قد يجعلها أكثر تعقيدًا وتأثيرًا على الأمن والاستقرار.
فالمرحلة الحالية، كما عبّر عنها جلالته، ليست مرحلة عادية؛ إذ تتسارع فيها الأحداث وتتعدد فيها الأزمات، فيما أصبح الانتباه الدولي موزعًا بين ملفات عديدة.
ومن هنا تأتي أهمية التحذير الملكي من أن يتحول هذا التشتت الدولي إلى فرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض، أو إلى عامل يسمح باستمرار تجاوز الحدود والقوانين.
كلمة الأردن بصوت الملك
لقد حمل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رسالة أردنية واضحة، تضع الأمن والاستقرار واحترام القانون الدولي في مقدمة الأولويات، وتحذر من خطورة استمرار سياسة فرض الأمر الواقع في المنطقة.
وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، يبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، متمسكًا بمواقفه الداعية إلى السلام والاستقرار، وبضرورة معالجة الأزمات بالحوار والوسائل السياسية، وبما يحفظ حقوق الشعوب وسيادة الدول ويمنع اتساع دائرة الصراع.
إنها كلمة الأردن في المحافل الدولية، بصوت الملك عبدالله الثاني، تحمل تحذيرًا من مخاطر التوسع، ودعوة إلى عدم إدارة العالم ظهره للأزمات، لأن ما يتم تجاهله اليوم قد يصبح أزمة أكبر غدًا.