في قلب قضاء المصطبة بمحافظة جرش، وتحديداً من رحم قرية "تلعة الرز" الوادعة، ولدت حكاية أردنية بطلها رجلٌ لم يعترف يوماً بالمستحيل. هي قصة المحامي الدكتور محمد عقله الرحامنة، الذي لم تكن مسيرته مجرد تدرجٍ وظيفي، بل كانت رحلة كفاحٍ عصامية، بدأت من تراب القرية لتستقر في أروقة العلم والقانون، حاملةً معها عبق الخدمة العسكرية وهيبة الرتبة.
عقودُ الشرف: عقيدةُ الانضباط في "الجيش العربي.
"أمضى الدكتور محمد الرحامنة أربعة وعشرين عاماً من زهرة شبابه مرابطاً في خنادق القوات المسلحة الأردنية. في تلك المدرسة الوطنية الكبرى، تشرّب معاني الانضباط والولاء، وعاش عقيدة "الجيش العربي" التي لا تساوم على الحق. تقاعد برتبة "مقدم"، لكنه لم يتقاعد عن العطاء؛ فالعسكرية في عرفه ليست بزةً تُخلع، بل هي مسلكٌ ومنهج حياة، ظلت ترافقه في كل خطوة، وتمنحه الثبات أمام عواصف الحياة وتقلبات البشر.
معركةُ العلم: من "الرتبة" إلى "الدكتوراه".
بإرادةٍ صلبة، انتقل الرحامنة من ميادين الجندية إلى محراب الفكر، ممتشقاً قلم البحث العلمي ليرسم مساراً أكاديمياً فريداً. لم يكتفِ بالشهادات التقليدية، بل واصل الليل بالنهار حتى نال درجة الدكتوراه في القانون، ليجمع بين حزم القائد وبصيرة القانوني وفكر الأكاديمي. وبفضل هذا الإصرار، حصل على إجازة المحاماة في القضائين النظامي والشرعي، ليقف اليوم فارساً في ميدان العدالة، يذود عن الحقوق بسلطان العلم وقوة القانون.
ضريبةُ التميز: الصمودُ في وجه "خذلان القريب".
لم يكن طريق "ابن تلعة الرز" مفروشاً بالورد؛ فكما واجه وعورة الجغرافيا في بداياته، واجه "وعورة النفوس" في مسيرته. تعرض الرحامنة لضريبة التميز التي يدفعها كل عصامي، فواجه سهام الحقد ومحاولات قطع الأرزاق ، حتى من أولئك الذين كان يُفترض أن يكونوا سنداً. لكنه، وبأنفة الرجل الذي خبر ميادين القتال، واجه الإساءة بالتغافل، والظلم بالتفويض للخالق، مردداً بلسان الواثق: "حسبي الله ونعم الوكيل"، محولاً كل طعنة غدر إلى وقودٍ لنجاحٍ جديد.
الكلمةُ أمانة: صدى القلم في وجدان الوطن.
لم يغب صوت الدكتور محمد عن قضايا وطنه، فكانت مقالاته مرآةً تعكس فكره المستنير وغيرته على ثوابت الأمة. كتب للوطن، وللملك، وللعلم الأردني، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة هي "الأمانة" التي يجب أن تُؤدى. واليوم، حين يُنظر إلى مسيرة هذا الرجل، نرى نموذجاً حياً للشخصية الأردنية التي لا تنكسر؛ الشخصية التي خرجت من قرية متواضعة لتصنع تاريخاً يفتخر به الأبناء وتقتدي به الأجيال.
إن سيرة المحامي الدكتور محمد عقله الرحامنة هي رسالة بليغة لكل طامح: إن الأصل والبدايات ليست قدراً محتوماً، بل هي "نقطة انطلاق" لمن يملك قلباً كقلب أبي عقله.. قلباً لا يعرف الاستسلام، وعقلاً لا يشغله غير الحق، ونفساً فوضت أمرها لبارئها، فجعل لها من كل ضيقٍ مخرجاً.