تعيش الدبلوماسية الأمريكية حالة من "الارتباك الاستراتيجي"، حيث تحاول التوفيق بين مسارين متناقضين تماماً: مسار لبناني يسعى لوقف نزيف القصف الإسرائيلي عبر تنازلات مؤلمة، ومسار إيراني يرفض "الاستسلام الدبلوماسي" رغم الضربات العسكرية، مشترطاً حزمة من التعويضات وضمانات البقاء. ففي المشهد اللبناني تُشير تقارير معهد مجلس العلاقات الخارجية (CFR) وويكيبيديا إلى أن لبنان دخل في "هدنة الـ 10 أيام" (التي بدأت في 16 أبريل 2026) كطوق نجاة أخير. فبينما تطلب الدولة اللبنانية وقفاً فورياً للقصف، فإن الاتفاق الذي رعته واشنطن لم يفرض انسحاباً إسرائيلياً فورياً، بل منح إسرائيل "حق الدفاع عن النفس" ضد أي تهديدات مستقبلية، وهو ما يراه محللون "شرعنة" للعمليات العسكرية داخل الحدود. وتضغط واشنطن ليكون الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة، بينما يرى محللو Chatham House أن غياب حزب الله عن التوقيع الرسمي يجعل الاتفاق "هشاً"، حيث يربط الحزب سلاحه بمصير المواجهة الكبرى مع إيران، وليس فقط بالجغرافيا اللبنانية.
اما في المشهد الإيراني فنجد العناد رغم "التفاوض تحت النار" وهنا تبدو البوصلة الأمريكية تجاه طهران أكثر تعقيداً. فوفقاً لتقارير مكتبة مجلس العموم البريطاني (أبريل 2026)، ترفض طهران عرض "التخصيب الصفر" الذي تطالب به إدارة ترامب. وتضع طهران شروط تعجيزية حيث تصر على "تعويضات عن الحرب" وفك تجميد الأرصدة (التي فُرضت بعد تفعيل آلية "Snapback" في أواخر 2025).
من الناحية العسكرية: رغم الضربات المشتركة (الأمريكية-الإسرائيلية) التي استهدفت البنية التحتية والمنشآت النووية في فبراير ومارس 2026، إلا أن طهران لا تزال تستخدم "ورقة الممرات المائية" (مضيق هرمز) و"سلاح المسيرات" كأدوات ضغط لرفض أي اتفاق لا يحفظ هيكلية نظامها الدفاعي.
ترصد مراكز الدراسات والصحف العالمية المشهد وتصفه بما يلي:
•Modern Diplomacy: تصف الوضع بأنه "تجميد لطبقات الحرب وليس إنهاءً لها". لبنان يُستخدم كـ "صمام أمان" لتفادي الانفجار الإقليمي الشامل، بينما تظل إيران "النواة الصلبة" التي ترفض الانكسار.
•New York Times : تشير إلى أن واشنطن تتبع سياسة "الخنق الاقتصادي المشروط" مع إيران، و"الاحتواء العسكري الموجه" في لبنان، لكن هذه السياسة تصطدم بواقع أن إيران ترى في التنازل اللبناني "تكتيكاً" وليس "استراتيجية" ملزمة لها.
في المحصلة تبقى البوصلة الأمريكية تتأرجح لأنها تحاول شراء "هدوء رخيص" في لبنان لتركيز الضغط على إيران، لكن طهران تدرك أن مفاتيح استقرار لبنان هي آخر خطوط دفاعها، لذا فإن "التنازلات" التي يقدمها لبنان حالياً قد لا تتعدى كونها "استراحة محارب" في انتظار ما ستسفر عنه جولات "عض الأصابع" بين واشنطن وطهران في صيف 2026.