في ذرا المجد الشامخة ، وحيث تلامس الهامات عنان السحاب ، يشمخ العلم الأردني خفاقاً أثيلأً ، لا كرمز مجرد لسيادة الدولة فحسب ، بل كدستور بليغ الآيات يختزل في طياته قصة أمة تجذرت في التاريخ ، وجغرافيا وطن تعانق المجد ، وتاريخ نهضة أضاءت الآفاق . إن " علمنا العالي " ليس سوى الترجمة البصرية الحية للوجدان الهاشمي الأصيل ، والبوصلة الهادية التي توثق ارتباط الأردن الأبدي بجذوره العربية والإسلامية الراسخة في عمق الزمن . إنه كينونة وطنية نابضة بدم الشهداء الأبرار وأحلام الأجيال الواعدة ، وهو العهد المكتوب بألوان السماء والأرض على الوفاء والمضي قدماً تحت ظل القيادة الهاشمية الحكيمة ، فما أعظمها من راية وما أشرفه من انتماء .
دلالات العلم : ميثاق الألوان والروح والاستحضار التاريخي المجيد
لم تكن ألوان العلم الأردني وعناصره وليدة صدفة تاريخية عابرة ، بل هي استحضار واعٍ ومستلهم لشرعية تاريخية ودينية وسياسية راسخة استندت إليها الثورة العربية الكبرى ، ذلك الفجر القومي الذي فجره الشريف الحسين بن علي ، طيب الله ثراه ، في بطحاء مكة المكرمة عام 1916 م . وقد جاءت هذه العناصر لتعكس عظمة الحضارة وسرمدية المبادئ السامية ، ولتكون راية جامعة مانعة لكل العرب التواقين للحرية والإنعتاق والاستقلال :
1 ) اللون الأسود : يمثل راية " العقاب " ، وهي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم تشرّفت بتبنيها الدولة العباسية التي حملت مشاعل التنوير والحضارة والعلوم من بغداد إلى آفاق الأرض القاصية ودانيها . كما يشير هذا اللون بعمق وإجلال إلى عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث كانت عمامته التي يلبسها لونها أسود ، وتحديداً أنه قد لبس عمامة سوداء يوم فتح مكه ، فكان الأسود رمزاً للسؤدد ، والوقار ، والعمق الحضاري الذي لا ينضب معينه .
2 ) اللون الأبيض : يرمز إلى راية الدولة الأموية ، التي بسطت نفوذ العدالة والرحمة من دمشق الفيحاء ، وشكلت فجراً حضارياً وإنسانياً باهر الآيات لا يمحى أثره في تاريخ البشرية ، فهو رمز للسلام ، والنقاء ، والرسالة العربية الخالدة القائمة على التسامح والتعايش السلمي .
3 ) اللون الأخضر : يمثل راية آل البيت الأطهار والغر الميامين ، وهو لون عباءة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، كما اعتمدته الدولة الفاطمية ، ويرمز في وجداننا وذاكرتنا الجمعية إلى الخصب ، والنماء ، والحياة المتجددة الباعثة للأمل بمستقبل واعد ومشرق للأمة العربية جمعاء .
4 ) اللون الأحمر : يمثل راية الهاشميين الأماجد ، راية الشرف والفداء التي احتضنت هذه الألوان الثلاثة وجمعتها في نسيج واحد متماسك ، وهو رمز قاطع للفداء والتضحية والدماء الزكية التي روت ثرى الوطن الطهور طلباً للحرية والاستقلال والكرامة الوطنية ، وتعبيراً صارخاً عن الاستعداد الدائم للذود عن الحمى بالغالي والنفيس .
5 ) النجمة السباعية البيضاء : وهي الخصوصية الأردنية الفريدة التي تزهو وتتألق في قلب المثلث الأحمر ، لتكون ميثاقاً روحياً ووطنياً غليظاً يربط الأرض بالسماء برباط وثيق . فهي ترمز باقتدار جلي إلى " السبع المثاني " ( سورة الفاتحة ) في القرآن الكريم ، لتربط الرمز الوطني بقيم السماء السامية والهداية الإلهية النيرة ، كما تجسد في رؤوسها السبعة أهداف الأمة الكبرى التي ناضل الأردنيون الأباة من أجلها بضراوة : ( التوحيد ، الوفاء ، التواضع ، التضحية ، الكرامة ، الحرية ، والعدالة ) . وتأتي النجمة في منتصف المثلث الأحمر لتؤكد مركزية هذه القيم في الهوية الأردنية الأصيلة .
التطور التاريخي للراية الأردنية وسيرة المجد
مرت الراية الأردنية بمراحل تطور تاريخية دقيقة ومتسلسلة حتى وصلت إلى شكلها الحالي البهيج . ففي البداية ، كانت راية الثورة العربية الكبرى هي المعتمدة ، بألوانها الثلاثة الأفقية ( الأسود ، الأخضر ، الأبيض ) مع المثلث الأحمر القاني . ومع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 م واستقبال الأمير عبد الله الأول بن الحسين في معان وعمان ببالغ الحفاوة والترحاب ، رُفعت هذه الراية كرمز للدولة العربية الناشئة . وفي عام 1922 م ، تم إدخال التعديل الجوهري بإضافة النجمة السباعية البيضاء إلى المثلث الأحمر ، لتكتسب الراية صبغتها الأردنية الخاصة والمتميزة ، وقد تم تثبيت هذه المواصفات بدقة متناهية في الدستور الأردني الصادر عام 1928 م ، وأكد عليها الدستور الحالي عام 1952 م في مادته الرابعة تأكيداً راسخاً .
يوم العلم الأردني : ذاكرة وطن وسيرة أبطال وتجديد للعهد والولاء
في السادس عشر من نيسان من كل عام ، يحتفي الأردنيون بـ " يوم العلم " ، وهو اليوم الذي أقره مجلس الوزراء ليكون مناسبة وطنية تستذكر فيها الأجيال فخرها واعتزازها بهذه الراية الأثيلة التي ظهرت بصورتها الحالية منذ عام 1922 م . إن الاحتفاء بيوم العلم ليس مجرد طقس بروتوكولي أو احتفال عابر تمر ذكراه مرور الكرام ، بل هو تجديد صارم وعهد صادق للولاء والانتماء بأن تظل هذه الراية ، التي استمدت مشروعيتها من راية الثورة العربية الكبرى ومن نضال الآباء والأجداد الأشاوس ، عالية خفاقة تلامس عنان السماء الشامخة . ففي هذا اليوم الأغر ، تتجلى أسمى معاني الوحدة الوطنية والاستقلال الناجز التي دفع الأردنيون ثمنها غالياً من دمائهم وتضحياتهم الجسام ، وهو فرصة للأجيال الشابة الناشئة لاستلهام قيم التضحية والوفاء من سيرة الأبطال الذين ساروا خلف هذه الراية في كل الميادين ميادين العز وشرف .
لا يتوقف نبض الولاء والانتماء عند حدود جغرافية ضيقة ، بل يمتد ليعانق كل ذرة تراب في حواضرنا الأردنية وقراها وباديتها وبحرها ، حيث يرفرف العلم فوق كل مدينة ، ومعسكر ، ومدرسة ، ومرفق عام ليروي فصلاً من فصول العز والصمود والكبرياء الوطني : فمن وهاد إربد النضيرة وسهولها الخصبة المعطاءة وشمالها الشامخ الأبي ، إلى عمان قلب الوطن النابض وحاضنة السيادة وصاحبة السارية الأطول التي تناطح الجوزاء ، ومن هامات جبالنا الشامخة بالكبرياء والكرامة في السلط والكرك والطفيلة وعجلون وجرش ، إلى بوابة الفتح والصمود في معان الأبية ، وصولاً إلى ثغر الأردن الباسم في العقبة حيث تعانق سارية الثورة مياه البحر الأحمر وتنظر بعين الأمل نحو الأفق العربي الأوسع والأرحب . إن رفرفة العلم في كل هذه البقاع هي تأكيد قاطع على وحدة الدم والمصير بين جميع أبناء الأسرة الأردنية الواحدة الملتفة حول قيادتها الهاشمية .
شواهد من ميادين الشرف والسيادة والمنجزات الوطنية
لقد رافق العلم الأردني كل المحطات المفصلية والتاريخية في مسيرة الدولة الأردنية المباركة ، من إعلان الإمارة عام 1921 م حين استقبلته قلوب الأردنيين ببالغ الشوق قبل سواعدهم ، وصولاً إلى فجر السيادة والاستقلال الفعلي عام 1956 م حين أعلن الحسين الباني ، طيب الله ثراه ، تعريب قيادة الجيش العربي المصطفوي ، ليرتفع العلم فوق القلاع والمعسكرات والحدود معلناً تخلص القوات المسلحة من أي نفوذ أجنبي . كما رافق العلم أبطال جيشنا العربي البواسل في معركة الكرامة الخالدة عام 1968 م ، وكان شاهداً حياً على صمودهم وانتصارهم المؤزر ، وهو يرفرف اليوم فوق قواتنا المسلحة الباسلة ( الجيش العربي ) في مهماتهم النبيلة والإنسانية لحفظ السلام وإغاثة الملهوفين والمكلومين في مختلف بقاع العالم . إن الحفاظ على هذا العلم عالياً شامخاً في مدارسنا ، وجامعاتنا ، وفي كافة المحافل الدولية والرياضية والثقافية التي يصدح فيها اسم الأردن عالياً ، هو تجديد يومي وعهد سرمدي للولاء لهذه الأرض الطيبة ولقيادتها الهاشمية الفذة .
سيبقى علمنا العالي خفاقاً ، شامخاً ، شامخاً ، يروي للأنام وللتاريخ أننا أمة تعشق الرفعة ، وشعب لا يرتضي بغير الجوزاء مستقراً ومقاماً ، أمة توحدت تحت راية واحدة ، وتمضي بخطى واثقة وثابتة نحو مستقبل واعد ومشرق ، مستلهمة من ألوانها وسيرتها المجدة مداد الكبرياء والعز والشموخ .