كان في مزرعته في الظهيرة يتابع سنسلة السناسل (هوايته الجديدة العملية التي يحب بعد تقاعده) وبعد الإفطار صلّى صلاة قيام الليل ليلة ٢٧ رمضان كاملة وقوفاً مع الإمام وهو في منتصف عقده السابع ثم عاد للبيت.
جلسنا معاً بعد أن عدنا من الصلاة نتابع التلفاز - وما هي إلا دقائق حين ألّم به العارض الصحي المفاجئ فتوجهنا به إلى المستشفى التي عاش فيها يومان ..نصفها كان بكامل وعيه ،كانت الأجهزة المساعدة تمنع صوته لكنه كان يشير بيديه أو يكتب بالقلم على الورقة بما يريد، ودون أن تمنع تلك الأجهزة شفتاه ولو بصعوبة من ترداد "الحمدلله"
وحين حان الأجل قبيل فجر ٢٩ رمضان وبدأت صفارات الأجهزة تعلن أن الرحيل قد اقترب وهو ما لمّح إليه قبلها الأطباء وأن كل علاجات الكون ومعها الintra- aortic pump الذي تم استعماله لن ترفع ضغطه لمستويات الحياة إلتف أبناءه وبناته وخالتي زوجته حوله في مشهد مهيب استمر قريب الساعة نردد بصوت واحد (لا إله إلا الله) تلقيناً لسمعه بها وتذكيراً.
وحين توقف القلب وفشلت عملية انعاش القلب الأخيرة (وقبلها في اليوم السابق توقف مرتين) كانت دموع المحبين تتساقط دون أصوات مرتفعة ولا نواح ولا إعتراض كما يحب الله وكما يحب هو بل وكما يجب "إنا لله وإنا إليه راجعون"
* كانت طوال فترة العزاء الايام الثلاثة تتساقط الأمطار بغزارة غير معهودة (كما في عزاء والدتي رحمها الله) والدعاء كما نعلم مستجاب حين سقوط الأمطار كانت تصعد "دعوات الرحمة" من آلاف المعزين: (عظم الله اجركم ورحم الله ميتكم)
(الله يرحمه ويغفر له)
(يا رب تجعل الجنة مستقره)
(الله يرحمه)
(الله يرحمه)
* كان سيناريو الوفاة الذي اختاره الله له من حيث "توقيت الختام" في أواخر الليالي العشر المباركة من رمضان وكان آخر عمل عمله صلاة قيام الليل مع الإمام في ليلة ال٢٧ رمضان وسرعة الرحيل مع لحظات مستقطعة لوداع لأبناءه وإخوته وأحباءه وإستدراك للتوبة عن اي زلل وفرصة ذكر الله بشفتيه قبيل ساعات من وفاته وكأنه سيناريو يلائم طبيعة شخصه ورغباته.
نسأل الله له الرحمة والمغفرة والعتق من النار وان يجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن يدخله الفردوس الاعلى من الجنة.