تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الغليان غير المسبوق، حيث قفزت أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية مدفوعة بلهيب الحرب في إيران وتفاقم الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وسجلت التداولات قفزات حادة، حيث ارتفع سعر برميل خام "برنت" بنسبة بلغت 29% ليصل إلى نحو 120 دولاراً أمريكياً، قبل أن يستقر صباحاً عند 107 دولارات، وهو مستوى يزيد بنسبة 15% عن إغلاق الجمعة، ويمثل الأعلى منذ صيف 2022. ولم يتوقف الأمر عند "برنت"، إذ صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 21% مسجلاً 120 دولاراً، ليصل إجمالي الارتفاع منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب في 28 فبراير الماضي إلى نحو 50%.
هذا الزلزال السعري أحدث ارتدادات عنيفة في أسواق المال العالمية؛ ففي شرق آسيا، انهارت البورصات تحت وطأة المخاوف، حيث هوى مؤشر "نيكاي" الياباني بأكثر من 5%، ولحقت به سوق سيول بخسارة بلغت 6%، بينما بدأ المؤشر الألماني "داكس" تداولاته على انخفاض ملحوظ. وتأتي هذه الصدمة لتعكس الاعتماد الكلي للمحركات الصناعية العملاقة في آسيا على إمدادات المنطقة، مما دفع طوكيو للتفكير جدياً في السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة التأثير المباشر على شركاتها.
وفي قلب الأزمة، يبرز مضيق هرمز كهاجس مهيمن على الأسواق؛ فمنذ تبادل الهجمات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج من جهة أخرى، توقفت حركة الملاحة تقريباً في هذا الممر الذي يعبره في أوقات السلم خُمس تجارة النفط العالمية يومياً. ولا تقتصر الأهمية على النفط فحسب، بل تمتد للغاز الطبيعي المسال، وهو ما دفع وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، للتحذير من عواقب وخيمة قد تضطر معها جميع دول الخليج لوقف الإنتاج خلال أسابيع، مما قد يدفع البرميل لتجاوز حاجز 150 دولاراً، خاصة وأن قطر التي تغطي خُمس الطلب العالمي قد أوقفت تصدير غازها بالفعل بسبب الحرب.
الضغوط لم تتوقف عند حدود الإنتاج، بل طالت المنشآت الحيوية؛ حيث أعلنت شركة "بابكو" البحرينية حالة "القوة القاهرة" عقب هجوم إيراني جديد تسبب في حريق بـ"مجمع المعامير" للتكرير، وهو ما يعفيها قانوناً من التزامات التسليم. وفي أوروبا، لم يكن الغاز الطبيعي بمعزل عن الأزمة، إذ قفزت أسعار العقود الآجلة في بورصة أمستردام بنحو 30% لتصل إلى 70 يورو للميغاواط ساعة، في أكبر ارتفاع تشهده القارة منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية قبل أربع سنوات، ليضاعف الغاز سعره تقريباً منذ بدء النزاع الحالي.
وعلى صعيد التوقعات الاقتصادية، يحذر الخبراء من فاتورة باهظة سيتحملها المستهلكون؛ ففي ألمانيا، تشير تقديرات معهد الاقتصاد الألماني (IW) إلى أن وصول سعر النفط إلى 150 دولاراً سيكلف الاقتصاد الألماني خسارة تزيد عن 80 مليار يورو خلال عامين، مما يهدد الانتعاش الهش بضربة قد تقتطع 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027. وتأتي هذه الأرقام وسط خشية المستثمرين من تصاعد الوضع أكثر في الشرق الأوسط، بما يهدد إنتاج النفط في المنطقة بشكل دائم ويؤدي إلى انخفاضه المستمر نتيجة استمرار تعطل أحد أهم الممرات المائية استراتيجياً في العالم.