اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصمت في لحظة كان يُتوقع فيها تصعيد سياسي حاد، عقب إقدام الولايات المتحدة على تنفيذ عملية عسكرية خاطفة أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى مركز احتجاز فدرالي في بروكلين، بأمر مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويعكس هذا الصمت، وفق مراقبين، تحوّلاً استراتيجياً في أولويات الكرملين، حيث بات تأمين مخرج سياسي وعسكري مواتٍ للحرب في أوكرانيا يتقدّم على أي مواجهة جانبية أخرى، حتى في مناطق كانت تُعد تقليدياً ساحات نفوذ روسي، مثل أميركا اللاتينية.
قبل أقل من عام، جلس مادورو على أحد المقاعد المذهّبة في قصر الكرملين، معلناً أمام بوتين عن «مستقبل مشرق» للعلاقات بين موسكو وكاراكاس، وواصفاً روسيا بـ«القوة القيادية للبشرية»، غير أن المشهد تبدّل جذرياً، إذ بات مادورو اليوم على بعد نحو 4700 ميل من بلاده، محتجزاً في أحد أكثر السجون الأميركية اكتظاظاً، فيما التزمت موسكو صمتاً لافتاً.
وبرغم تزامن الحدث مع عطلة رأس السنة الروسية، إلا أن مراقبين يرون أن الموقف يعكس نهجاً متعمداً من جانب الكرملين لتجنّب استفزاز واشنطن، في وقت يسعى فيه بوتين إلى عدم تعقيد مسار التفاهمات المحتملة بشأن أوكرانيا، حيث تقول هانا نوتي، مديرة برنامج أوراسيا في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، إن «بوتين لديه هدف واحد حالياً، وهو الخروج بأفضل نتيجة ممكنة في أوكرانيا، وكل ما عدا ذلك يأتي في مرتبة ثانوية».
تراجع النفوذ الروسي
ويأتي هذا الموقف في سياق أوسع من تآكل النفوذ الروسي على الساحة الدولية منذ الحرب على أوكرانيا عام 2022، وهو ما انعكس في تراجع تأثير موسكو في آسيا الوسطى والقوقاز ومولدوفا، وصولاً إلى خسارتها أحد أبرز حلفائها في الشرق الأوسط مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا أواخر عام 2024.
كما زادت الضغوط على روسيا مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في إيران، الحليف الوثيق للكرملين، إلى جانب التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا، إحدى أهم بوابات موسكو في أميركا اللاتينية.
حسابات القوة مع واشنطن
ويرى ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا، أن الحرب في أوكرانيا «باتت حفرة سوداء تستنزف موارد روسيا»، مشيراً إلى أن موسكو أصبحت أقل قدرة على فرض أجندتها عالمياً، رغم تعزيز تماسكها الداخلي.
وأضاف أن روسيا، حتى لو رغبت في الدفاع عن فنزويلا، لن تذهب إلى مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، وهي قوة نووية كبرى، بسبب المخاطر الاستراتيجية الهائلة.
ترامب وأوراق الضغط
ولا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمتلك أوراق ضغط مؤثرة على مسار الحرب في أوكرانيا، رغم تقليصه الدعم المباشر لكييف، إذ تظل الولايات المتحدة اللاعب الأبرز في منظومة الأمن الأوروبي، وتواصل تزويد أوكرانيا بمعلومات استخباراتية وتسليح حاسم.
وفي الوقت نفسه، أثار ترامب جدلاً واسعاً بإعادة طرح فكرة السيطرة على غرينلاند، ما يهدد مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو سيناريو ترى فيه موسكو مكسباً استراتيجياً كبيراً في حال تحقق.