التحرر من صراع الهويات المتقاتلة القاتلة في المجتمع لا يكون بالدعوة إلى إسقاط الهوية على الجملة. فالجماعات والمجتمعات تتعرف بهوياتها الجمعية. ومحو الهوية هو محو لوجودها وكينونتها. والشعوب التي غابت من التاريخ لم تَبِد ماديّاً. وإنما اختفت بانحلال هويتها التاريخية الثقافية لأسباب قاهرة منها تغلب هوية أخرى عليها. أما التحرر من صراع الهويات المدمر فلا يكون إلا بالإقرار أن كلاً منا أفراداً وجماعات مجموعة هويات في الوقت نفسه ، وأن هذا شرط من شروط الحياة الاجتماعية الإنسانية، وأن هذه الهويات تتدرج من الأضيق إلى الأوسع ، وتنتظم أحداها في الأخرى بدلاً من أن تطردها : من العائلة إلى البلدة إلى المهنة إلى الوطن إلى العقيدة والدين والعرق إلى الأمة إلى الجامع الإنساني. ونتنقل بينها في اليوم الواحد على وفق سياق التفاعل الاجتماعي. فمن لا نجتمع معه في واحدة نجتمع معه في أخرى ، ولا تعارض ولا تفاصل ولا إقصاء. فالاختلاف والتعدد والتنوع سنة كونية. ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة ، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم ..). والاختلاف أصل التدافع البنّاء. ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). وإلا فهي الهيمنة والطغيان الذي يأتي مع الاستغناء عن الآخرين باحتكار أسباب القوة. ومناط التدافع استباق الخيرات. ( ولو شاء الله لجعلكم أمة ًواحدة ، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ، فاستبقوا الخيرات). فليحتجَّ المتخالفون كلٌّ لنفسه في استباق الخيرات من أجل المجموع. ولا تتعرف هوية ما إلا بالتقابل مع غيرها. فإلغاء هوية مختلفة هو إلغاء لهوية الذات نفسها. فكل منها شرط لوجود الآخر وتعريفه لنفسه. فبهذا تتشكل المعاني بالتقابل والاختلاف. والقيمة الكونية العامة العابرة لحدود الهويات هي العدل والمساواة.
السلام الأهلي والوحدة الوطنية يتحققان بقبول الآخر والتلاقي على جوامع العدل والانتماء الوطني ، لا بإقصاء الآخر ونبذه. وجماع الأمر بناء مجتمع المواطنة الذي يتكافأ فيه الناس في الحقوق والواجبات أفراداً لا عصباً ومحاصصة فئوية.
وأخيراً فإن الهوية ليست حقيقة خارجية ثابتة ساكنة لاتاريخية. إنما هي حركة حية وصيرورة تاريخية متطورة ، يشيدها الوعي. فلا يقطع معها قطيعة عدمية ، ولا ينغلق فيها ويغلق عليها فيحكم عليها بالموات.