تدور في الخفاء تفاصيل حرب من نوع آخر بين الفلسطينيين والإسرائيليين تُركز في جولاتها المتعددة وضرباتها القاسية على هدف واحد وهو شل الاقتصاد الفلسطيني، وإبقاؤه تحت رحمة الاحتلال وتابعاً له بجميع أشكاله؛ المباشرة وغير المباشرة.
تفاصيل هذه الحرب، التي دائماً ما كان المتضرر الرئيسي منها الفلسطينيون، شملت، منذ بداية الاحتلال، جوانب متعددة وكثيرة، نجحت على أرض الواقع بتفتيت الاقتصاد الفلسطيني ودفعه نحو الهاوية، لا يسنده إلا المساعدات والمنح المالية الخارجية.
المحاولات الإسرائيلية لضرب الاقتصاد الفلسطيني لم تهدأ ولن تهدأ، ولكن هذه المرة طالت أكثر أركانه حساسية وتأثيراً حين حاصرت عملة "الدينار الأردني" من كل جانب، ووضعت عملة "الشيكل" كبديل يحل مكانه ليسيطر على السوق الفلسطينية ويكون العملة الأولى والوحيدة في التعاملات المالية.
أزمة اختفاء الدينار من السوق الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص بالضفة الغربية المحتلة، بدأت تفاصيلها بالظهور قبل أسابيع حين أُصيب السوق بنقص حاد في سيولة بعض القطع النقدية والعملات الورقية الصغيرة من فئة الدينار، لكن سرعان ما امتدت شرارة الأزمة لتشمل جميع الفئات والعملات الورقية، فتختفي من السوق والبنوك، وحتى مكاتب الصرافة، وتُصيب الاقتصاد الفلسطيني بحالة شلل، وتعقد من وضعه الحالي.
أين اختفى الدينار؟
"أين اختفى الدينار؟"، السؤال الأبرز الذي يُطرح في الساحة الفلسطينية، وسيحاول مراسل"الخليج أونلاين" في تحقيقه الخاص فتح هذا الملف والبحث عن إجابات شافيه له، في ظل المتغيرات المعقدة التي تُحيط بالاقتصاد الفلسطيني بسبب الاحتلال الإسرائيلي الذي دأب على ضربه كلما سنحت له الفرصة.
"نعتذر لزبائننا الكرام.. لا نتعامل بالدينار"، كانت هذه الجملة مكتوبة على ورقة بيضاء صغيرة علقها ياسين فراج على أحد الأبواب الزجاجية لمكتب الصرافة الذي يعمل فيه وسط مدينة رام الله بالضفة الغربية، لتكون خير دليل على أزمة تعصف بالسوق الفلسطيني، لم تجد حلاً حتى اللحظة.
ويقول فراج لـ"الخليج أونلاين" عن بداية أزمة اختفاء الدينار من السوق: "قبل تقريباً شهرين من الآن كانت هناك أزمة سيولة بسيطة للدينار، وخاصة الفئتين الصغيرة والمتوسطة، وتوقعنا أن تذهب الأزمة كعشرات الأزمات السابقة، لكن ما جرى كان غير متوقع وأفسد كل قراءتنا للواقع الاقتصادي".
وتابع حديثه: "تدريجياً ودون سابق إنذار بدأت باقي أشكال العملات من فئة الدينار تختفي، وبات الطلب عليها في السوق من قبل الزبائن والتجار مرتفعاً للغاية، لدرجة وصلنا اليوم إلى عدم وجودها في المكاتب ولا حتى البنوك، والمتضرر الأكبر من ذلك هي شركات الصرافة لتي تعاني حالياً خسارات كبيرة، وذلك لأن الحوالة التي تصل من الخارج بالدينار يجب تسليمها بنفس العملة وعدم صرفها إلى الشيكل".
فراج يضيف: "معظم التعاملات والتحويلات المالية بين فلسطين والخارج، وخاصة بالضفة، تتم بعملة الدينار، وقليل منها تتم بعملة الدولار الأمريكي، ولكن بسبب اختفاء الدينار أصبحت التعاملات شبه مُجمدة، وحولت بعضها للدولار المترنح، مما كبدنا خسائر مالية".
ويشير إلى أن سعر صرف الدينار يكون في الغالب مستقراً معظم أيام السنة، مع بعض الارتفاع أو الانخفاض الطفيف غير المؤثر، مقارنة بباقي العملات، وعلى رأسها الدولار والشيكل، اللذان يشهدان انخفاضاً مؤثر، معتبراً اختفاء الدينار ضربة قوية للاقتصادين الفلسطيني والأردني.
وأشار فراج إلى أن اختفاء الدينار سيُجبر الفلسطينيين الذين لا يملكون عملة خاصة على التعامل مع عملتي الشيكل أو الدولار المتوفرتَين في السوق، وهذا ما تسعى إليه "إسرائيل" التي أعدت المخططات لمحاصرة الدينار وتهميشه واستبداله بالشيكل لدعم اقتصادها.
وخلال بحث "الخليج أونلاين" في هذا الملف وجد أن الدينار يتعمق في فلسطين ومعظم معاملاتها المالية منذ سنين طويلة، فعلى سبيل المثال البنوك والمؤسسات الخاصة تصرف رواتب موظفيها بالدينار، وكذلك تعتمد بيع وشراء الأراضي والعقارات والمركبات وأسعار الذهب وتحويلات مكاتب الصرافة ومهور الزواج على الدينار، لذلك يعتبر العملة الثانية بعد الشيكل الذي يعد ضعيفاً أمامها.